أبو نصر الفارابي
34
الجمع بين رأيي الحكيمين
العقل ، فيخرجه إلى الفعل ( اعني يجعل المعقولات معقولة ) . ويقول أرسطو في « كتاب النفس » : « يجب ان يكون في النفس تمييز يقابل التمييز العام بين المادة وبين العلة الفاعلية التي تحدث الصور في المادة ، وفي الواقع نجد في النفس من جهة واحدة العقل المماثل للمادة من حيث إنه يصير جميع المعقولات ، ومن جهة أخرى العقل ( المماثل للعلة الفاعلة ) لأنه يحدثها جميعا ، وهو بالإضافة إلى المعقول كالضوء بالإضافة إلى الألوان يحولها من ألوان بالقوة ( في الظلمة ) إلى ألوان بالفعل » . ( كتاب النفس مقالة 4 بداية ف 5 ) . ان هذا النص يشير إلى عقلين ، واحد « فعّال » والثاني « منفعل » . ولكن لأرسطو كلاما في العقلين لا يخلو من غموض ، فهو يقول : « وهذا العقل ( الفعال ) هو القابل للمفارقة ، وهو غير منفعل ( أصلا ) غير ممتزج بمادة ، لان ماهيته انه فعل ، والفاعل اشرف دائما من المنفعل ، والمبدأ ( اي العلة ) اشرف من المادة » . الامر الذي جعل شراح أرسطو ينقسمون إلى فريقين : منهم من قال إن أرسطو كان يقصد ان العقل الفعال ليس ملكة من ملكات النفس البشرية ، بل مفارق لها ، وعليه ليست النفس خالدة ؛ وهذا هو شرح الإسكندر الافروديسي ؛ ومنهم من قال إن قصد أرسطو هو ان العقل الفعال هو ملكة من ملكات النفس البشرية ، فاذن هذه النفس خالدة ، وهذا هو شرح ثموسطيوس . والتجريد على ثلاث درجات : في الدرجة الأولى يجرد العقل ماهية الجسم الطبيعي مما يلابسها من الاعراض والصفات الشخصية ، كأن يجرد الانسانية من سقراط ، ويدع جانبا كون سقراط اثينيا فيلسوفا ابيض بدينا قصيرا ، إلى غير ذلك مما يضاف اليه ولا يدخل في معنى « الانسان » . وفي الدرجة الثانية يجرد العقل من الجسم السطوح والحجوم والخطوط ويترك ما عدا ذلك ، مثلا إذا قلنا « منحني » فهذا لا يؤدي إلى الذهن سوى معنى الشكل فقط دون تعيين مادة بالذات ، ونحن نعلم أن الانحناء يمكن ان يتفق لمواد كثيرة . وفي الدرجة الثالثة يترك العقل الشكل أيضا والمادة بالاطلاق ولا يستبقى من الشيء الّا كونه موجودا ، والمعاني اللازمة للوجود ، مثل الجوهر والعرض والعلة والممكن والضروري وغيرها ؛ فان كل موجود جوهر أو عرض ، علة أو معلول ، ممكن أو ضروري ، إلى غير ذلك من المعاني التي تنطبق على الموجود من حيث هو موجود دون نظر إلى كونه جسميا أو روحيا أو كذا أو كذا من الموجودات . ( ملاحظة : التجريد عند أرسطو من فعل العقل ، فلا يعتقد العقل ان الأشياء موجودة في الواقع كما يتصورها هو ، كما قال أفلاطون إذ جعل المعقولات في عالم « المثل » ) .